الجمعة، 13 يناير 2012

أحذر منطقة عسكرية" ممنوع الإقتراب أو التصوير"


كتب : محسن عبد الحميد 
------------------------------------------------------


لافتة تراها كثيرا حينما تتجول في أرض مصر المحروسة , أو قل المحبوسة داخل منطقة عسكرية تم تغليفها بغطاء مدني ذو خلفية عسكرية والتي لاتزال تغلف بوعود عسكرية بتحريرها من وطأة أقدام العسكر الذين أنتهوكها منذ أكثر من ستة عقود , أحذر إنها منطقة عسكرية " ممنوع الأقتراب أو التصوير" حينما تترأي عيناك منطقة صحرواية خاوية لازرع فيها ولا ماء ثم تجد لافتة" ممنوع الأقتراب أو التصوير" سوف يستبق ذهنك إلي كلمة ترحاب" مرحبا بك في مصر المحبوسة " لكن الأمر لم يقتصر علي ذلك وتحولت مصر إلي منطقة عسكرية ممنوع الأقتراب منها أو التصوير ومن يحاول يتهم بالعمالة والخيانة والسعي لهدم المؤسسة العسكرية بل وهدم الدولة المصرية .


خلطا للأمور يثير الشك والريبة في أن معا هل الحديث عن موارد مصنع مكرونة كوين ومياة صافي وبنزينة وطنية هي أمورا عسكرية يجب عدم الاقنراب منها والا أتُهمت بتهمة الخيانة العظمي ’ هل الحديث عن إدارة مشروعات مدنية " كشركات العقارات كعمارات كلية البنات  ومزارع تربية الدواجن والمواشي وشركة كوين سيرفيس ومشروعات عقارية هو حديث عن " أسرار عسكرية" هل الحديث عن " جهاز مشروعات الخدمة الوطنية " الذي أنشائه السادات عقب توقيع إتفاقية كامب ديفيد والذي منُح  إعفاء من الضرائب ومنعت الأجهزة الرقابية من مناقشة نشاطاته التجارية هو من الأسرار العسكرية, هل الحديث عن وفاة أحد العمال في مصانع 99 الحربي نتجية إنفجار انبوبة بوتاجاز في وجهه والتي هي ليست من إختصاصات العمال بالمصنع وحينما أعتصم العمال في المصنع تم تحويلهم للمحاكمة العسكرية هل هذه نوعية من الأسرار العسكرية التي يحاول المجلس العسكري إخفائها علي الشعب ونوابه المتخبين .
  

الحديث عن مناقشة ميزانية المؤسسة العسكرية هو خيانة ومحاولة لهدم الدولة وتنفيذ للخطط الماسونية العالمية تمهيدا لسيناريو تقسيم مصر – الذي تم إكتشافه فجأة بعد الثورة- هذا هو الكلام المعسول الذي تروج له " الشئون المعنوية " والذي يردده المواطنين الشرفاء من قاطني الدولة العباسية بينما الباحث الحقيقي عن دول ديمقراطية " والتي يرنو لها المواطنون الشرفاء أيضا ويعللون خروجهم للتظاهر والتعبير عن الرأي هو دربا من دروب الديمقراطية " يجد أن الدول الديمقراطية لايوجد بها مصطلحات مطاطة وفضفاضة كمصطلح " أسرار عسكرية " فالصحفيين ممنوعون من الوصول للمعلومات بحجة " أسرار عسكرية" بينما كل الدول الديمقراطية تقر بحق الصحفيين بالحصول علي كافة المعلومات ومنها – دولة إسرائيل- فمن ينسي حينما فجرت الصحافة الإسرائيلية ملف تعذيب الأسري المصريين في حرب يونيو 67 تلتها الصحافة المصرية في فتح الملف ذاته  لماذا لم يمنع الصحفيين الإسرائيلين من الوصول لمعلومات أدانت مايسمي بجيش الدفاع الإسرائيلي بجحة إنها " أسرار عسكرية" كما لم نستطيع أن ننسي دور الصحافة الأمريكية في فضح فظائع الجيش الأمريكي في حرب فيتنام حينما سلم " دانيل إلزبرج" مستشار وزير الدفاع الأمريكي إبان حرب فيتنام نسخة من الوثائق التي تفضح سير العمليات الحربية في فيتنام لمجلة " النيويورك تايمز " وشرعت كلا من " النيويورك تايمز والواشنطن بوست " نشر هذه الوثائق مما هدد الرئيس الأمريكي " ريتشارد نيكسون" وأستصدر أمرا بوقف النشر لكن المحاكم الأمريكية أيدت حق النشر للجرائد ولم تلوح الإدارة الأمريكية ولا وزارة الدفاع بمصطلح " أسرار عسكرية" هذه واحدة من الأمور التي يجب الا تقترب منها والا سوف يضئ في عينيك وميضا أحمر مكتوب عليه " ممنوع الإقتراب أو التصوير " إنها منطقة عسكرية يختلف ويتفق الكثير علي حفظ الأسرار العسكرية ولكن حينما ترتبط ماتسمي بالأسرار بحياة المدنيين فلهم الحق في معرفتها "إن وجدت بالفعل" وفيما يتعلق أيضا بما تسمي الأسرار العسكرية فكيف نطالع أمور تخصنا دولتنا في الصحف الإجنبية التي لا تعترف بما يسمي الأسرار العسكرية أو قضايا الأمن القومي .

فعلي سبيل المثال " ميزانية المؤسسة العسكرية" والتي هي خط أحمر دار النقاش حول حق ممثلي الشعب في مناقشته من عدمه فترة من الجدال والإخذ والرد وفي النهاية تم تصدير رسالة لنا مفاداها" أن ميزانية القوات المسلحة يجب الا تناقش في البرلمانات حفاظا علي أسرار المؤسسة العسكرية" ناهيك عن الإتهام الباطني الموجه لنواب الشعب وبالتالي للشعب الذي أنتخبهم من الخيانة لكن دعونا ننظر نظرة أعم وأشمل علي تلك الميزانية التي لايراد لنا الإطلاع عليها ومناقشتها" ففي أخر ميزانية للدولة قبل الثورة كانت مخصصات القوات المسلحة المصرية تبلغ حوالي 100 مليار مابين 25و 30% من الميزانيات السابقة وهي ماحاول المجلس العسكري الإبقاء عليها دون مساس في الموازنة الحالية وهي ما سوف يحاول أن يتمسك بها في الموازنات القادمة حتي أن أبتعد عن مشهد السلطة الحاكمة, رقم بحجم هذا يفوق كافة مخصصات القوات المسلحة في دول العالم ومنها التي تخوض حروبا فعلية علي أرض الواقع فعلي سبيل المثال " فالولايات المتحدة تخصص فقط 15% من ميزانيته لوزارة الدفاع كذلك حلف الناتو يشترط علي أعضائه أن يتم تخصيص 4% علي الأقل من الميزانية للجيش وهنا السؤال ,هل نحن أغني من الولايات المتحدة والدول الأوروبية حتي نخصص هذه النسبة من الميزانية للقوات المسلحة  مع الوضع في الإعتبار إننا وقعنا علي إتفاقية سلام دخلنا بمقتضاها مع الكيان الصهيوني في إتفاقيات إقتصادية أضرت إقتصادنا أكثر مما نفعته ولكن إذا تباحثت في الإجابة سوف تجد أن هذه الأموال الطائلة تنفق في صورة " بدل ولاء" نعم كما قلت بدل الولاء الذين ننادي بإنهم يدافعون عن الحدود والوطن يتعاطون بدل ولاء هذا علي مستوي القيادات وليس الأفراد , تحركات القادة والجنرالات تستهلك الملايين حفلات التخرج والعروض العسكرية تتكلف الملايين وهي لاطائل منها ويدخل هذا الأمر ضمن المحرمات الممنوع عرضها علي نواب الشعب فهي " أسرار عسكرية" , المؤسسة العسكرية لاتريد أن تطلعنا علي الميزانية وتريد أن تدرج في الموازنة دفعة واحدة حتي لايتم تفسير كل بند علي حدة فيختلط الأمر بين ماهو عسكري بحت وبين ما هو إقتصاديا نفعيا للمؤسسة التي تملك زمام أكثر من 25% من إقتصاديات الدولة .

الحديث عن الميزانية التي يريدونها مغلفة بغلاف" الأسرار العسكرية" والمؤيدة من بعض القوي الرديكالية تقودنا للحديث عن ملف أخر هام وهو " ملف الحرب " أو " إعداد الدولة للحرب " أي حرب هذه التي سوف نخوضها ضد الولايات المتحدة التي نعتمد علي معوناتها العسكرية التي تفوق حوالي المليار دولار سنويا أم ضد الكيان الصهيوني الذي نصدر له الغاز ويعتمد عليه في توليد حوالي 40% من الطاقة الكهربائية داخل أراضي إسرائيل , المهم أن هذا الملف " إعداد الدولة للحرب" والذي يعني الكثير في حالة خوض الحرب أو وجود نية للحرب ولكن بما إننا دولة مسالمة يقتل جنودنا علي الحدود دون أن يحرك لنا ساكنا يصبح هذا الملف من أهم ملفات الإستيلاء علي الأراضي فمن المعلوم أن أراضي الدولة الغير مملوكة لأفراد تعد مملوكة للقوات المسلحة والمجهود الحربي ولا يتم إنهاء إجراءات شراء أوبيع هذه الأراضي الا بتصديق من القوات المسلحة وموافقة هيئة إعداد الدولة للحرب عليها بحيث تكون المخالصة بأن الدولة لاتحتاج قطعة الأرض هذه لأسباب حربية أو تكون علي الخرائط ضمن أماكن قد تكون مسرحا للعمليات مستقبلا وبالتالي يتم بيع وتخليص بعض أراضي الدولة برعاية القائمين علي القوات المسلحة ممثلين في جنرالات مبارك ويتم ذلك من خلال " جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة"  هذا الجهاز الذي يمتلك مساحات شاسعة للأراضي ويتم بيعها من خلال إعلانات في الجرائد القومية بشكل تجاري بحت ,وفي حالة الإحتياج لقطعة أرض يكفي القول بإنها مدرجة ضمن " ملف إعداد الدولة للحرب" وهنا هل يعد الإطلاع علي تفاصيل هذا الملف أيضا من " الأسرار العسكرية  التي يجب حجبها عن ممثلي الشعب .

الميزانية التي نريد مناقشتها تتعلق أيضا بقضايا أمن قومي والتساؤل " هل تحول الجيش المصري لمؤسسة إقتصادية" ففي تصريح للأهرام " قال اللواء محمود نصر مساعد وزير الدفاع للشئون المالية عضو المجلس العسكري " بأن القوات المسلحة أقرضت البنك المركزي مبلغ مليار دولار من عائداتها الإنتاجية وهنا التساؤل " من أين حصلت القوات المسلحة علي الموارد التي أقامت بها هذه المشروعات الإنتاجية وماهي القطاعات التي تستثمر فيها القوات المسلحة ومن الذي يدير هذه المشروعات الإنتاجية وما هي الصيغة القانونية التي تعطيه إدارة مثل هذه المشروعات , هل مناقشة ومعرفة تفاصيل مثل هذه الإستثمارات هي التي يحاول المجلس العسكري منع نواب الشعب من مناقشة ميزانيته في الدستور القادم ,وإذا أمنا بنجاح قيادات القوات المسلحة المصرية في إدارة مشروعات خدمية بشكل كفء لما تحدث الكثير عنها ولكن هل تعرف المنتجات التي تنتجها المؤسسة العسكرية المصرية " هل سمعت من قبل عن مكرونة كوين , هل وجدت مياة صافي المعدنية داخل المحلات التجارية " هذه المنتجات يتم تسويقها بشكل " أجباري " داخل كناتين معسكرات التدريب المعزولة وبالتالي لايوجد أمام المجند الا هذه المنتجات كما يتم توزيعها من خلال بعض اللواءات السابقين والمسئولين عن بعض المشروعات المدنية بعد إنتهاء خدمتهم العسكرية .
 ولكن يظل التساؤل هل مناقشة ميزانية وزارات الدفاع والقوات المسلحة هي بالفعل مسألة أمن قومي أم أنه أمرا معتاد في الدول التي توصف بالديمقراطية والتي تقر حق الشعوب في المعرفة .


بالنظر للوضع في الولايات المتحدة الأمريكية " يتولي الكونجرس مراقبة ميزانية البنتاجون ومن الجدير بالذكر أنه في العام الماضي أصدرت اللجنة المالية بالكونجرس تقريرا ينتقد عدم وجود محاسبة مالية صارمة في البنتاجون " ممايجعل أموال دافعي الضرائب من أفراد الشعب معرضة للإحتيال والسرقة العلنية, وحسب مجلة الفورين بوليسي " أن الكونجرس كشف أخطاء وتلاعبا في ميزانية البنتاجون لعام 2009 مما دفع بعض النواب الديمقراطيين والجمهوريين لتقليص ميزانية البنتاجون مما يعني أن الأمر قابل للأخذ والرد وليس مسألة عقائدية غير مطروحة للنقاش , في إسرائيل والتي تتمتع بأكبر ميزانية للدفاع في دول الشرق الأوسط يتم مناقشة ميزانيتها الحربية داخل لجنة الدفاع والأمن بالكنيست , وفي بريطانيا ثالث أكبر الميزانيات في العالم بعد كلا من الولايات المتحدة والصين نشرت وزارة الدفاع البريطانية تفاصيل الإجراءات التي قامت بها والأسلحة التي تم شرؤاها أو تصنيعها ورواتب قادة الجيش وتم عرضها علي ممثلي الشعب في مجلس العموم البريطاني , الوضع نفسه في الدستور الإسباني والذي يقر بعدم وجود وضعية خاصة للقوات المسلحة لكنها تدخل في الموازنة العامة للدولة والتي تخضع للنقاش من قبل أعضاء البرلمان الإسباني وفي عام 2011أوقف البرلمان الأسباني برامج للتحديث في الجيش الإسباني وقرر خفض المخصصات المالية لوزارة الدفاع .


بينما الوضع يختلف في الدول الديكتاتورية فمثلا في روسيا تعد ميزانية الجيش إحدي السلطات المطلقة لرئيس الجمهورية وعليه فقط إبلاغ ممثلي الشعب بإجمالي الميزانية دون الدخول في تفاصيل " وهو ماكان متعارفا عليه في مصر مبارك" كذلك كان الحال في أغلب دول أمريكا اللاتيتية قبل دخولها مرحلة التحول الديمقراطي , بينما في تركيا " فهيئة قيادة الأركان" هي الجهة المسئولة عن مناقشة ميزانية القوات المسلحة وهو ما قد يحاول المجلس العسكري في مصر خلق نموذجا مشابه له من خلال طرح وثيقة السلمي والتأكيد علي مسألة الأمن القومي التي يجب أن تتمتع بها ميزانية القوات المسلحة .

أخيرا وليس أخرا ما هي الأسرار العسكرية التي يتحدثون عنها هل هي خاصة بصفقات السلاح مثلا تخيل معي " أن القوات المسلحة المصرية قامت بعقد صفقة مع إحدي شركات السلاح الأمريكية تستطيع التعرف علي كافة التفاصيل الخاصة بالصفقة من خلال موقع الشركة علي الإنترنت وفي حالة التوصل لإتفاق تعرض تفاصيل الصفقة علي الكونجرس الأمريكي لإخذ موافقته في حالة ما إذا كانت هذه الشركات تابعة للحكومة الأمريكية بينما "فزاعة الأسرار العسكرية" تخص الأسلحة التي تصنعها الدول والتي تفتقر إليها الحالة المصرية التي تعتمد علي معظم الأسلحة التي يتم شراؤها من الخارج أو تطوير لبعض الأسلحة الروسية الموجودة منذ منتصف السبعينيات , لسنا ضد تمكين القوات المسلحة المصرية من القيام بدورها في حماية الوطن لكننا ضد إستغلال جنرالات مبارك لحساسية وضع الجيش المصري وعقد صفقات وعمولات لا يعلم عنها الشعب أحد وفي النهاية يتحدث الجنرالات عن "مليار دولار منحة للبنك المركزي " .