كتب :محسن عبد الحميد
أزعجتني كثيرا الأحاديث الجانبية الدائرة في المجالس الشبابية منها والرسمية الأعلامية المقرؤة والمسموعة والمرئية أزداد الحديث عن العلمانية ومحاولة الاتجاه للعلمانية والهدف في التحول للعلمانية وقد بدت العلمانية وكأنها الملاذ الاعظم لجميع المصائب التي أحلت بمجتمعنا والتي تعد هي نفسها أحد تلك المصائب والضغائن وما أحزنني كثيرا هو ترديد بعض شبابنا ومطابتهم المستمرة بأتباع المنهج العلماني عن دون فهم لماهيته وطبعيته وحقيقة وأهدافه مكتفيين فقط بترديد الأنجازات التي حققتها بعض الانظمة العلمانية العالمية ومن أبرزها فرنساو تركيا وتناسينا طبيعة مجتمعنا كمجتمع مسلم وما ألم بيا الهم هو تنصلنا من أسلمتنا ومناداة بالحرية المزعومة وسبيل التقدم الذي لامفر منه الاوهو العلمانية .
وماأضحكني كثيرا هو الاتجاه الحديث الذي سمعت عنه في بعض الدوائر والذي أطلق عليه مروجيه(الاسلام العلماني ) تذكرت كثيرا الاتجاه الذي بمحدودية عقليتنا الانسانية روجنا له في الماضي عندما تحدثنا عن (الاسلام الشيوعي ) كيف ؟كيف نستطيع جمع النقيضين كيف نستطيع أن نجمع الكفر بالتوحيد كيف يمكن أن تتلتقي العقلانية والعلم مع الغوغائية والجهل كيف ؟ وأي عاقل يقول هذا ؟
نعود للحديث الدائر الذي ينتظر أن تحل عليه البركات العلمانية مخلصة الشعوب من التفريق الديني والعرقي والطائفي الذي تعاني منه الأمة الاسلامية وعن جهل بدأنا في سرد بعض الامجاد الأوروبية القديمة وبدأنا في الحديث عن النموذج التركي الصاعد المتقدم والمعتنق للعلمانية وبدأنا في الاستشهاد بهذا النموذج وكأننا أستقظنا فوجدنا تركي علمانيا وتناسيا أنها أعتنقت مبادئ العلمانية وتخلت عن أسلاميتها منذ أيام مطفي كمال أتاتورك فالاتراك قد وصله لما وصله اليه بفضل العمل والاخذ بالاسباب وبفضل الصعود الاسلامي للحكم مرة أخري وليس كما يدعي العباقرة بسبب العلمانية وهي التي تحارب الاحزاب الدينية في تركيا فالعلمنة التركية جائت لتعمل علي التقريب لا الفصل المزمع للدين الكنسي في أواسط القون الخامس عشر ,ومحاولة منع أرتداء الحجاب كذلك نستشهد بواحد من أبرز النماذج العلمانية وهو النموذج الفرنسي ولما لم نستشهد بنموذج أسلامي كالنموذج الأندونسيي او الماليزي ولماذا لم نسترجع ذاكرتنا حينما تمسكنا بدين الله فكانت الامبراطورية العظمي التي لم يعرف لها التاريخ مثيل حيث أمتدت من الصين شرقا الي الاندلس غربا لما تناسيا حينما كنا نحن مصدرين العلوم والمعارف الي أوروبا التي سادتها ظلام الجهل والفقر .
وبكل حنكة سياسية نتحدث عن العلمانية كما نريد أن نراها وليس كما هي ونتسمر في الأدعاء بأنه ما الذي يمنع من وجود علمانية في دولة أسلامية متخذيين المفهوم القشوري للعلمانية مدعين بأنها فقط هي (فصل الدين عن الدولة )غير مكترسين بما تعنيه كاملة من(أقامة الحياة علي غير الدين) أما عن موقفها الحقيقي من الاديان فهي تري نفسها علي أنها نظام حياتي متكامل يبتعد كل البعض عن القيم الروحانية وتناست طبيعة المكون الانساني الذي يتكون من جزئيين أساسيين هما الروح والجسد فنظرت للتكوين البشري بأعتباره جسد بلا روح وتعاملت معه من هذا المنطلق المادي ونظرت للدين علي أنه أفعال كهنوتية متخذا من أفعال الكهنة القدامي وأستغلالهم للدين في تتبيت سلطة الحكام وصكوك الغفران ولكنه لن تستطيع مواجهة الاسلام فهو ليس دين فحسب بل هو دين ودنيا ومنهج حياتي متكامل قامت عليه الحضارات التي قادت سائر بلدان العالم من الظلمات الي النور وهي في حقيقتتا تقوم علي محاربة الاديان وترفض الاسلام كليا وتعتبره من مخلفات عصور الجهل وتتطاول علي القرأن والسنة وتدعي ببشرية الوحي أو أنه نزل الي جيل معين في زمن معين كما تتهم التاريخ الاسلامي بأنه دموي أستعماري غير حضاري وتحاول تفسير الدين تفسيرا ماديا يخضع للتجربة وأنظر لبعض مقولات مؤسيي العلمانية من اليهود ومريدي الماسون حين يقولون ( أن حياتنا كاملة وعقولنا قد تشبعا بالتسرب البطئ الصاعد لروح جديدة هي روح تتسم بالديمقراطية ولا تؤمن باالله )وهاهو المفكر النفسي اليهودي سيجموند فرويد حين يقول (أن الدين كبت ينبغي أن يحطم كي لايؤذي الكيان النفسي للفرد )!!
وإذا أمنا بأنها مجرد فصل الدين عن الدولة فكيف لنا كمسلمون أن نحكم بحكم الله داخل المساجد ونحكم بحكم غيره من البشر في الجامعات والمتاجر والبرلمانات وأنظر الي الفرنسي أيميل دوركايم عالم الاجتماع حين يقول (أستعجب حين أري السذاجة التي كانت تخيل للناس أن الدين شئ منزل من السماء) ,وأنظر الي قول الشيخ أبن تيمية رحمة الله عليه حين يقول (لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر),وبعد كل تلك الأقاويل نحاول نحن بجهل منا أو بغير علم أن نروج لبعض المفاهيم الغربية التي لاتناسيبنا كمجتمع مسلم كذلك نروج لها في توقيت يثبت للعالم أجمع أننا أرهاببين مسئوليين عن تفجيرات لا علاقة لنا بها بل ندينها بشدة ..
وإذا أمنا بعلمانيتهم وتركنا منهاجنا الإسلامي لدي تساؤل إذا كانت العلمنة تقتصر علي فصل الدين (الكنسي الغربي ) عن الدنيا فمن أين لنا أن نضع قوانين تحكم حياتنا وماهو مصدرنا الذي نستقي منه الشرائع التي ترسم لنا خطوطنا المجتمعية سوف يأتيك الجواب بأنها القيم الأنسانية الفطرية ومن أين أستقينا تلك المبادئ في النهاية ستجد أنه يتم أستيفائها من الدين وبالتالي فالدين هو أساس كافة القوانين والشرائع ومن هنا ليس لنا أن نشرع في فصل الجزء عن الكل .
بينما تتمثل مشكلتنا هنا في مصر هي المفأجاة التي أذهلت الجميع والتي تمثلت في الثورة التي قلبت كافة الأفكار رأسا علي عقب فمريدي العلمانية لم يحاولوا تهيئة أدبياتها كي تتسق مع مجتمع مسلم متدين بطبعه لكنهم في السابق أكتفه في تبرير علمانيتهم الغربية كذلك ينطبق الوضع علي كافة الحركات والقوي الإسلامية فهي قبيل الثورة لم يكن في حسابانها طرح مشروع نهضوي متكامل أقتصاديا وأجتماعيا وسياسيا متكفين بدعوة الناس للذهاب للمساجد إلي أن يغير الله القوم بعدما يغيروا ما بأنفسهم وبالتالي فهم تماشو مع نفس المبدأ العلماني الذي يرنو لفصل الحياة عن الدين حيث لم يكن في أدبيات الجماعات الإسلامية فكرة الثورة بما يمثل لديهم خروجا علي الحاكم .
وإذا حاولنا مجرد عقد مقارنة بين سلفنا القدامي ودعاة السفلية المعاصريين سنجد أن قدامي السلف أستطاعوا تهيئة الأوضاع بما لايمثل خروجا عن الإسلامة بل مكملا له ومستفيدا من منهاجه فمن منا يستطيع أن يتناسي المبادئ الأقتصادية والمالية التي وضعها أبي يوسف القاضي في كتابه (الخراج) وكان ذلك في القرن الثاني الهجري بما يعني أنه الوضع في تلك الأونة قد تغير إلي حدما عن عصر سيدنا محمد (صلي الله عليه وسلم) كذلك المبادئ التي أقرها أبي عبيد في كتابه (الأموال) كذلك كتاب (الأحكام السلطانية للمواردي) والمقريزي في كتابه (إغاثة الأمة بكشف الغمة) كذلك أسهامات العديد من الأئمة في هذا الصدد وغيرها من كتب الفقه المالي التي حددت أحكام السوق والخراج والأنفاق ورسمت نظرية أقتصادية تبني مجتمعا متكاملا علي مانسميه نحن الأن (مرجيعة إسلامية) ,بينما بالنظر لما قدمه لنا سلفنا المعاصر أقتصرت الأدبيات علي العبادات والأحكام والزهد وعلوم الحديث والتفسير ونادرا ما نجد كتابات متخصصة في الشأن الأقتصادي أو السياسي حيث يتم الأكتفاء بالأستشهاد بالنصوص القديمة بنفس مصطاحاتها بلا محاولة للتقريبها للذهن من خلال أستخدام مصطلحات العصر الحديث .
ومن هنا تتمثل إشكالية عصرنا الحديث في عدم وجود رؤي واضحة لدي كافة القوي السياسية بأختلاف مرجعيتها نتيجة هول المفأجاة التي حدثت ومعها أنقلبت الموازين فمابين تبرير العلمنة الغربية ومحاولة تطبيقها في مجتمع لايقبلها وبين الأرتكان الذي يشوب السلف المعاصريين يتوه المجتمع .

